درس الحركات الاستقلالية بالجزائر وتونس وليبيا – مادة التاريخ – الثانية باكالوريا آداب

  • 1051
  • 0

الحركات الاستقلالية بالجزائر وتونس وليبيا

تمهيد إشكالي:

نتج عن السياسة الاستعمارية بالجزائر وتونس وليبيا ظهور الحركة الوطنية، وقد اعتمدت وسائل سياسية ومسلحة ضد الاستعمار، واستطاعت أن ترغمه على الاعتراف باستقلال بلدانها.

  • فما هو الإطار التاريخي الذي نشأت فيه الحركات الوطنية بكل من الجزائر وتونس وليبيا؟
  • وما هو التحول الذي عرفته هذه الحركات خلال منعطف الثلاثينيات؟
  • وما هي التطورات التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية والتي انتهت بالاستقلال؟

I – الإطار التاريخي الذي نشأت فيه الحركات الوطنية بكل من الجزائر وتونس وليبيا:

1 – مظاهر الاستيطان الاستعماري بالجزائر وتونس وليبيا:

  • في الجزائر: استهدفت فرنسا إدماج الجزائر واعتبارها جزء من التراب الفرنسي، ووزعت الأراضي التي انتزعت من السكان على المعمرين الفرنسيين، وتم إنشاء الطرق والسكك الحديدية والموانئ لتسهيل عملية التصدير، وتقلص الإنتاج المعيشي نتيجة انتزاع الأراضي من السكان، وثقل الضرائب، التي أفقرت أغلب سكان البادية فاضطروا إلى العمل في ضيعات المستوطنين أو الهجرة إلى فرنسا، وفي المدن لم يعرف قطاع الصناعة أي تطور هام إلا بعد 1945م، لرفض مبدأ تصنيع الجزائر من طرف المقاولين الفرنسيين، رغم توفر اليد العاملة.
  • في تونس: قامت السلطات الاستعمارية باستغلال المعادن المتوفرة كالفوسفاط والحديد، وأنشأت الطرق لتصديرها، وسيطر المعمرون على الأراضي الخصبة، ومنحت فرنسا الجنسية الفرنسية للإيطاليين المقيمين في تونس، وكذلك للأعيان قصد تدعيم الاستعمار، وعانى التونسيون من الاستغلال الاستعماري، مما دفعهم إلى النضال السياسي والمقاومة المسلحة.
  • في ليبيا: بعد القضاء على مقاومة عمر المختار، وزعت السلطات الفاشية الأراضي التي انتزعت من السكان على المعمرين الإيطاليين لتشجيع الاستيطان، واستغلت إيطاليا اليد العاملة الليبية في الزراعة والصناعة، وأثقلت كاهل السكان بالضرائب.

لقد ساهمت تلك السياسة الاستعمارية في تزايد عدد المستوطنين الأوربيين بالدول الثلاث، إذ وصل عددهم إلى 359000 مستوطن بالجزائر لوحدها سنة 1911م.

2 – الانعكاسات الاجتماعية والسياسية للاستيطان الاستعماري في الجزائر وتونس وليبيا:

  • في الجزائر: أصبحت الإدارة الاستعمارية تستحوذ على خمس الأراضي المحروثة وأخصبها، وانعكس ذلك سلبا على وضعية الفلاحين، بحيث انتشرت بينهم الأمية والفقر، واضطر الكثير منهم إلى الهجرة نحو المدن والعمل مقابل أجور زهيدة، كما تعرضت البرجوازية الجزائرية لحيف سياسي وعدم المساواة مع الأوربيين، فطالبت بالإصلاحات ثم اتجهت نحو الحركة الوطنية لتزويدها بالإطارات اللازمة.
  • في تونس: وقع إفلاس الفلاحين والحرفيين، ولم تكن أجور العمال موزعة بشكل متساوي ما بين العامل الأوربي ونظيره التونسي، ففي القطاع المنجمي مثلا تجاوز دخل العامل الأوربي 25 فرنك في اليوم بينما لم يتجاوز دخل العامل التونسي 8 فرنكات في اليوم، وأمام تلك التطورات تكتلت جماعة من المثقفين التونسيين، ومن أبرزهم: علي باش حانبه، وعبد العزيزالثعالبي وأسست حزب “تونس الفتاة” سنة 1907م، كما استغل هذا الحزب ظروف الحرب العالمية الأولى وأرسل مذكرة إلى الرئيس الأمريكي “ويلسون” تتضمن الإجراءات الواجب اتخاذها لتطبيق المبادئ الأربعة عشر التي نادى بها في مؤتمر السلام سنة 1919م، كما قام الشيخ الثعالبي برحلة إلى باريس حيث نشر كتابه “تونس الشهيدة”، وهو الكتاب الذي أبرز فيه مساوئ الحماية وانعكاساتها السلبية على المجتمع التونسي.
  • في ليبيا: نتج عن السياسة الاستعمارية الإيطالية بليبيا تفقير وتهميش السكان، وهو ما أدى إلى ظهور الحركة السنوسية التي قاومت الاحتلال الإيطالي لكنها لم تدم طويلا بسبب التفوق العسكري للاحتلال.

II – المنعطف التاريخي الذي عرفته الحركات الوطنية خلال الثلاثينيات:

1 – التحول الذي عرفته الحركة الوطنية في الجزائر خلال الثلاثينيات:

ساهمت الظروف الجديدة التي عرفتها الجزائر خلال الثلاثينيات والمتمثلة في تزايد التآمر الفرنسي على الشعب الجزائري، ومحاولته للقضاء على هويته الإسلامية، إضافة إلى احتفاله بالذكرى المائوية لاحتلال الجزائر سنة 1930م، والذي كان بمثابة استفزازا للمشاعر الجزائرية الوطنية، ساهمت كل هذه الأحداث في ظهور أحزاب وجمعيات سياسية جديدة، ومن أهمها:

  • جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: تأسست سنة 1931م بمبادرة من المصلح الديني والسياسي الجزائري عبد الحميد بن باديس، طالبت بحل القضية الجزائرية باعتماد الطرق السلمية بشكل لا يحدث قطيعة مع الإطار القانوني القائم في ظل الوجود الفرنسي.
  • جمعية نجم شمال إفريقيا: تأسست سنة 1927م بزعامة الوطني الجزائري مصالي الحاج، طالبت باستقلال الجزائر، وبإلغاء قانون الأهالي، واستعادة الجزائريين لأملاكهم، وضمان حقهم في التعليم والحريات العامة.
  • الاتحاد الشعبي: تأسس سنة 1938م بمبادرة من فرحات عباس، الذي طالب ببرلمان جزائري لدولة مستقلة ومرتبطة بفرنسا.

وبوصول الجبهة الشعبية إلى الحكم بفرنسا انعقد المؤتمر الإسلامي الجزائري سنة 1936م طالب الحكومة الفرنسية الجديدة بنهج سياسة المساواة بين الجزائريين والفرنسيين في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنه لم يطالب بالانفصال التام عن فرنسا.

2 – تحولات الحركة الوطنية بتونس خلال الثلاثينيات:

أمام تزايد الاستيطان الأجنبي أصبح الحزب الدستوري الذي تأسس سنة 1920م بزعامة عبد العزيز الثعالبي يضم مجموعة من المثقفين الذين طالبوا بحصول تونس على نظام دستوري يمنح للسكان بعض الحقوق، وأمام فشل قيادة الحزب الدستوري في تحقيق نتائج ملموسة تأسس الحزب الدستوري الجديد سنة 1934م من طرف مجموعة انفصلت عن حزب الدستور، ومن أهم مطالب الحزب الدستوري الجديد: إلغاء الثلث الاستعماري، وتوقيف الاستعمار الفلاحي، وتعيين التونسيين في مختلف الوظائف، كما اقترح تدابير أخرى تهدف إلى الرجوع إلى روح معاهدة الحماية.

3 – الأوضاع وردود الفعل في ليبيا:

مع وصول النظام الفاشي إلى الحكم بإيطاليا، وجه موسوليني حملات عسكرية ضد ليبيا فتصدى عمر المختار للغزو الفاشي، وجند في منطقة “برقة” فرقا طبقت حرب العصابات ما بين 1923م و1931م، حيث كبد القوات الإيطالية خسائر كبيرة قبل أن يتم القبض عليه وإعدامه سنة 1931م.

III – الإطار التاريخي الذي تحولت فيه الحركات الوطنية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال:

1 – دور الحرب العالمية الثانية في هذا التحول:

تطور عمل الحركة الوطنية بكل من الجزائر وتونس وليبيا بعد الحرب العالمية الثانية من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال، ففي:

  • الجزائر: فقد تقدم ممثلوا المسلمون الجزائريون إلى الحلفاء بعد نزولهم في الجزائر سنة 1942م بمذكرة طالبوا فيها بانعقاد ندوة بهدف وضع دستور سياسي واقتصادي واجتماعي للجزائريين، كما تشبث الجزائريون بمبادئ الحلفاء في الدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير، واستغلوها حجة إضافية لتدعيم مواقفهم، كما تجلى التحول الذي طرأ على مطالب الجزائريين في الوثيقة التي قدمها مجموعة من النواب الجزائريين باسم الشعب الجزائري إلى سلطات الحلفاء، حيث طالبوا بإلغاء سياسة الإلحاق والاستغلال والمشاركة الفعالة للجزائريين في تسيير حكومة البلاد، كما طالبوا بمنح الجزائريين دستورا خاصا.
  • تونس: فقد انعقد المؤتمر الوطني التونسي سنة 1946م شاركت فيه كل القوى السياسية بالبلاد، وأصدر ميثاقا تضمن الانعكاسات السلبية لنظام الحماية على تونس، وأكد عزم الشعب التونسي على الاستقلال والانضمام إلى جامعة الدول العربية وهيأة الأمم المتحدة، وفي ظل تلك التطورات تقوت الحركة الوطنية بتأسيس “الاتحاد العام للشغالين التونسيين” سنة 1946م بزعامة النقابي التونسي “فرحات حشاد”، هذا الأخير أكد على ضرورة توحيد الحركة النقابية بشمال إفريقيا نظرا لكون تلك البلدان تسعى لتحقيق نفس الغاية.
  • ليبيا: فقد قسمت بعد الحرب العالمية الثانية إلى ثلاث مناطق نفوذ، وأخضعت للاحتلال الفرنسي في منطقة “فزان”، والبريطاني في “برقة”، والإيطالي في طرابلس، لذلك عبر أعضاء المجلس الوطني لتحرير ليبيا عن رفضهم لذلك التقسيم، وقدموا مذكرة بتاريخ 23 ماي 1947م إلى الدول الكبرى مؤكدين عن استعدادهم لمواجهة أي إجراء يهدف إلى تقسيم ليبيا.

2 – نضال الحركات الاستقلالية إلى غاية الحصول على الاستقلال:

  • في الجزائر: كان للأحداث التي شهدها المغرب وتونس أكبر الأثر على تطور الحركة الوطنية الجزائرية، حيث أسست سنة 1951م “جبهة التحرير الوطني”، هذه الأخيرة أعلنت انطلاق عمليات الثورة الجزائرية في فاتح نونبر 1954مـ ووجهت نداء للشعب الجزائري بزعامة “أحمد بن بلة” حددت من خلاله الخطوات العريضة لبرنامجها السياسي، والمتمثل في تحقيق الاستقلال بواسطة إقامة دولة جزائرية في إطار المبادئ الإسلامية، ودعم الثورة الجزائرية بكل الوسائل المتاحة، وقد انبثقت عن جبهة التحرير الوطنية حكومة جزائرية مؤقتة سنة 1958م بزعامة “فرحات عباس”، الذي انضم إلى جيش التحرير، ورغم تلك التطورات فإن فرنسا لم تغير من موقفها وجددت تشبثها بجعل الجزائر مستوطنة فرنسية، لذلك امتدت الثورة من الشرق الجزائري لتنتشر في مجموع التراب الوطني، وعلى الصعيد الخارجي حصلت جبهة التحرير على الدعم والمساندة، وأصبح المغرب قاعدة لتدريب المجاهدين وانطلاق عملياتهم الحربية وملاذا آمنا للاجئين، وبوصول الجنرال “شارل ديغول” (Charles de Gaulle) إلى الحكم بفرنسا دخل في مفاوضات مع الجزائر انتهت بتوقيع “اتفاقيات إيفيان” (Accords d’Évian) في مارس 1962م، ونصت على حق الجزائريين في تقرير مصيرهم، وصوت الجزائريون في استفتاء يوليوز 1962م لصالح استقلال بلادهم بنسبة 99,7%، كما تم الإعلان عن استقلال الجزائر في يوليوز 1962م.
  • في تونس: مباشرة بعد اغتيال الزعيم النقابي التونسي “فرحات حشاد” سنة 1952م لجأت الحركة الوطنية التونسية إلى المقاومة المسلحة التي عمت مختلف أنحاء البلاد، فقبلت فرنسا مضطرة إلى إطلاق سراح “الحبيب بورقيبة” سنة 1955م، والقبول بالتفاوض حول منح الاستقلال لتونس، إلا أن استقلال المغرب وانتشار الثورة الجزائرية، دفعا فرنسا إلى منح تونس الاستقلال التام في 20 مارس 1920م.
  • في ليبيا: بعد أن رفضت هيئة الأمم المتحدة مشروع تقسيم ليبيا، وبعد أن اتخذت قرار بتهيئة الظروف لمنح ليبيا استقلالها السياسي التام، وفي سنة 1952م تأسست جمعية وطنية ليبية ضمت ممثلين عن المناطق الثلاث (فزان، برقة، طرابلس)، ولمواجهة الاستعمار الجديد، أسس الليبيون “الحزب الوطني” بطرابلس في 1946م، و”المجلس الوطني لتحرير ليبيا” سنة 1947م طالبوا بالاستقلال والوحدة الوطنية، وعرضت مسألة ليبيا على الأمم المتحدة، التي قررت سنة 1948م منح الاستقلال لليبيا، وفي دجنبر 1951م أعلن عن استقلال المملكة الليبية، حيث توج “محمد إدريس السنوسي” ملكا عليها، ومنح عدة امتيازات للدول الأجنبية كتأسيس القواعد العسكرية، والتنقيب عن البترول …، وأصبحت البلاد خاضعة للاحتكارات الأجنبية، مما أدى إلى ثورة الوطنيين بالجيش بزعامة “معمر القدافي” في فاتح شتنبر 1969م، وإعلان قيام الجمهورية الليبية المعروفة حاليا بالجماهيرية.

خاتمة:

والخلاصة أن كل بلدان المغرب العربي قد حققت استقلالها بعد سلسلة من التضحيات والمواجهات ضد سلطات الاحتلال، سواء باستعمال الوسائل السلمية والدبلوماسية، أم بالكفاح المسلح، ثم اتجهت بعد ذلك نحو محو التبعية والسير في طريق التنمية.

مشاركة هذا المحتوى مع أصدقائك:

التعليق من خلال:

أكتب تعليقك