درس النظام العالمي الجديد والقطبية الواحدة – مادة التاريخ – الثانية باكالوريا آداب

  • 2060
  • 0

النظام العالمي الجديد والقطبية الواحدة

تمهيد إشكالي:

أدت التحولات التي عرفها الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية منذ أواسط الثمانينيات إلى نهاية المواجهة بين المعسكرين وبروز ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، الذي تميز بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد على العالم، وتزايد دور الأمم المتحدة في حل النزاعات، مما خلف ردود فعل قوية اتجاه هذا النظام.

  • فما هو السياق التاريخي لظهور النظام العالمي الجديد؟
  • وما هي وسائل ومظاهر هذا النظام؟
  • وما هي ردود الفعل اتجاه هذا النظام؟

I – السياق التاريخي لظهور النظام العالمي الجديد والقطبية الواحدة:

1 – ظروف تفكك الاتحاد السوفياتي ونهاية قطبيته للمعسكر الاشتراكي:

ساهمت مجموعة من العوامل في إضعاف بنية الاتحاد السوفياتي، ومن ثمة انهياره، ومن أهم هذه العوامل:

  • تركيبة الاتحاد السوفياتي القائمة على ضم جمهوريات ذات أعراق وثقافات مختلفة قسرا ضمن إيديولوجية واحدة ترفض التعددية والانفتاح وتقمع الشعوب.
  • الانهيار الاقتصادي الذي أصاب روسيا نتيجة الإفراط في بناء الترسانة العسكرية التي امتصت 70% من نفقات عمومية على حساب الأنشطة الاقتصادية والخدمات الاجتماعية.
  • تمويل الحروب الإقليمية على حساب تلبية الحاجيات الأساسية للسكان.
  • الهزائم العسكرية والسياسية المتتالية للجيش السوفياتي التي منى بها في أفغانستان.

وأمام تلك المشاكل ركز ميخائيل غورباتشوف (Mikhail Gorbachev) منذ وصوله إلى السلطة سنة 1985م اهتمامه على إصلاح الأوضاع، فشرع في تطبيق “برنامج البيروسترويكا” (إعادة البناء في المجالين الاقتصادي والاجتماعي) الذي تميز بالانفتاح على المبادئ الرأسمالية، والنهوض بالوضعية الاجتماعية للسكان، كما أعطى انطلاقة “برنامج الكلاسنوست” (الشفافية والديمقراطية السياسية) الذي استهدف ضمان حرية التعبير والإعلام، لكن ورغم هذه الإصلاحات فقد بدأت الجمهوريات السوفياتية تعلن استقلالها واحدة تلوى الأخرى مما أدى إلى تفكك الاتحاد السوفياتي، وتقديم غورباتشوف استقالته سنة 1992م.

2 – دور انهيار الأنظمة الشيوعية الأخرى في ظهور النظام العالمي الجديد:

لقد عرفت الأنظمة الشيوعية هي الأخرى ابتداء من سنة 1989م عدة تحولات عجلت بانهيار المعسكر الاشتراكي وبروز النظام العالمي الجديد، ومن أهم هذه التحولات:

  • تخلي مجموعة من الأنظمة الشيوعية عن النهج الاشتراكي، وبدأ اهتمامها يتجه تدريجيا نحو النهج الليبرالي، حيث ألغت هنغاريا النظام الاشتراكي واعتمدت الليبرالية، وقامت تشيكوسلوفاكيا بثورة سياسية هادئة ألغت نظام الجمهوريات الشعبية  وتبنت الليبرالية، وانقسمت في يناير سنة 1993م بشكل سلمي إلى دولتين (جمهورية التشيك، وجمهورية سلوفاكيا)، وقد حصلت نفس التحولات في كل من رومانيا وبولونيا وبلغاريا.
  • إزالة تمثال لينين وهدم جدار برلين وتوحيد الألمانيتين بموجب معاهدة الوحدة الألمانية سنة 1990م.
  • هدم الستار الحديدي بين هنغاريا والنمسا.

هكذا فسح للولايات المتحدة الأمريكية المجال للبروز كقطب وحيد في العالم.

II – النظام العالمي الجديد: مميزاته مظاهره ووسائله:

1 – وسائل ومظاهر هيمنة الولايات المتحدة كقطب وحيد على العالم:

  • الهيمنة العسكرية: تمثلت في تزايد التوغلات العسكرية الأمريكية في مناطق جديدة من العالم كالشرق الأوسط ودول البلقان وآسيا الوسطى، ناهيك عن إقامة قواعد عسكرية في مناطق أخرى بهدف الاستعداد لحروب مستقبلية، ومراقبة التسلح النووي بدول أخرى ككوريا الشمالية وإيران.
  • الهيمنة الاقتصادية: تمثلت في التحكم في أهم مناطق النفط بالعالم، وتزايد حجم الاستثمارات الخارجية الأمريكية بدول العالم، علاوة على التوفر على أهم العواصم الاقتصادية العالمية كمدينة نيويورك، والتعامل الاقتصادي مع جميع القوى الاقتصادية الكبرى.
  • الهيمنة الإعلامية: أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تبتكر تقنيات جديدة للهيمنة على العالم بمختلف الوسائل، كوسائل الإعلام المختلفة (التلفزيون، السينما …)، وهذا يعني أنها تتجه نحو فرض قيمها وتمثلاتها على باقي دول العالم، كما تمكنت من السيطرة على وسائل الإعلام وتجلى ذلك في الانتشار الواسع للبرامج الأمريكية من أجل خلق مجتمع مستعمر إعلاميا وثقافيا.

2 – دور الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد:

أصبحت الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد تلعب دورا مهما في مواجهة النزاعات الدولية، ومن ذلك توصلها إلى مراقبة تطبيق وقف إطلاق النار في أنغولا سنة 1995م وسنة 2002م، كما ساهمت في إعادة بناء كل من: أفغانستان، وتيمور الشرقية، وساهمت في فض النزاعات في العديد من الدول الأفريقية كسيراليون سنة 1999م، وساحل العاج وليبيريا سنة 2003م، ورغم ذلك فقد عارضت الولايات المتحدة الأمريكية إعادة انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي لكونه يعارض السياسة الخارجية لها، خاصة وأن هذه الأخيرة تحاول توجيه قرارات الأمم المتحدة لصالحها، وهو ما يضع هذه المنظمة أمام تحديات جديدة.

3 – العولمة ظاهرة مميزة للنظام العالمي الجديد:

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأ موضوع العولمة يرسم طريقه في اتجاه الإيديولوجية الليبرالية الجديدة، وأصبحت هذه الظاهرة تعني هيمنة الرساميل والسوق وإلغاء الحدود بالنسبة للسلع والرساميل، وإخضاع السياسة للاقتصاد، وقد كان من نتائجها إضعاف االشعوب والدول إلى درجة يصعب معها تحديد الإطار الخاص بكل مجتمع سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ناهيك عن احتكار الأقطاب الثلاث المتحكمة في الاقتصاد العالمي ل 86% من المعاملات المالية داخل البورصات، وظهور صراعات ثقافية نتيجة محاولة الغرب تعميم نموذجه الثقافي.

III – ردود الفعل اتجاه النظام العالمي الجديد:

1 – الصراعات الدولية التي شهدها النظام العالمي الجديد:

عرف العالم في ظل النظام العالمي الجديد تفاقم حدة المشاكل والصراعات الدولية، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى هذه الصراعات، هناك: الفرق الشاسع في مستوى ودرجة النمو السوسيو اقتصادي ما بين دول الشمال ودول الجنوب، علاوة على تنامي الروح الوطنية وعدم الاندماج، والتجزئة في دول وجهات العالم، ومن أهم هذه الصراعات نجد:

  • حرب رواندا: وهي حرب أهلية بين الهوتو من جهة والتوتسي من جهة أخرى، خلفت آلاف الضحايا خلال التسعينيات ونزوح العديد من السكان.
  • حرب كوسوفو: اندلعت هذه الحرب سنة 1990م عندما حاول الألبان المسلمون الاستقلال، حيث تدخل الصرب وارتكاب مجازر في حقهم سنة 1999م قبل أن تقوم قوات حلف الشمال الأطلسي باحتلال المنطقة.
  • الصراع العربي الإسرائيلي: وهو صراع ناتج عن تمادي إسرائيل في احتلال المناطق العربية.

2 – تصاعد حركات التطرف والإرهاب:

من أهم الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة:

  • ارتفاع معدلات الفقر.
  • استمرار التوترات الإقليمية.
  • الانتهاك المستمر لحقوق الإنسان.
  • تفاقم مشكل البطالة.
  • التقسيم غير العادل للشرعية الدولية.

كل هذه العوامل كانت نتيجة تناقضات النظام العالمي الجديد، مما أسفر عن بروز ظاهرة التطرف والعنف السياسي والإرهاب بأبعاده الإقليمية والعالمية (أحداث 11 شتنبر).

3 – ردود فعل بعض الدول والمنظمات إزاء النظام العالمي الجديد:

  • ‌الخلاف بين القوى العظمى: فألمانيا واليابان كانتا من أكثر الدول استفادة من انهيار الاتحاد السوفيتي، فالتفوق الاقتصادي لهذين البلدين كان يبشر بظهورهما كعملاقين اقتصاديين، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية خشيت على مصالحها، وسعت إلى احتلال العراق والسيطرة على نفط العالم، وهو ما يعني ظهور حرب باردة جديدة بين القوى العظمى.
  • رغبة ألمانيا في الحصول على حق الفيتو: فألمانيا تسعى جاهدة في الحصول على هذا الحق نتيجة للعديد من الأسباب، أهمها: مساهمتها في تحقيق الأمن والسلم العالميين، واعتبرت ألمانيا كذلك أن منح هذا الحق لها سيشكل تطورا كبيرا للمنتظم الدولي.
  • المنتدى الاجتماعي العالمي: منتدى تأسس سنة 2001م في بورتو يعنى بالشؤون الاجتماعية والديمقراطية في العالم، ومناهضة نظام العولمة.

خاتمة:

وبذلك يظهر أن الأوضاع الدولية بدأت تعرف تحديات كبيرة في ظل النظام العالمي الجديد أهمها تزايد حجم الهوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين دول الجنوب ودول الشمال.

مشاركة هذا المحتوى مع أصدقائك:

التعليق من خلال:

أكتب تعليقك